أحمد بن علي القلقشندي

68

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الأوامر المطاعة أو ذوو العلوم ؛ وقد منحنا اللَّه هذين الوصفين كليهما ، وجعلنا من المسخلفين عليهما . فلنبدأ أوّلا بحمده الذي هو سبب للمزيد ، ثم لنأخذ في القيام بأمره الذي هو على كلّ نفس منه رقيب عتيد ؛ ولا ريب أن إصلاح العباد يسري إلى الأرض حتّى تزكو بطونها ، وتنمو عيونها ، ويشترك في بركات السماء ساكنها ومسكونها ؛ والأمر بذلك حمل إن لم تتوزّعه الأكفّ ثقل على الرقاب ، وإذا انتشرت أطراف البلاد فإنها تفتقر إلى مساعدة من مستنيب ومستناب ؛ وقد اخترنا لمدينة كذا رجلا لم نأل في اختياره جهدا ، وقدّمنا فيه خيرة اللَّه التي إذا صدقت نيّتها صادفت رشدا ، وهو أنت أيها الشيخ فلان . فابسط يدك [ بقوّة ] ( 1 ) إلى أخذ هذا الكتاب ، وكن حسنة من حسناتنا التي ثمّ يرجح بها ميزان الثواب ، وحقّق نظرنا فيك فإنه من نور اللَّه الذي ليس دونه من حجاب . واعلم أنّ أمر الشريعة مبنيّ على التيسير لا على التعسير ، ولا يضع اللسان موضع السوط إلا من أوتي زيادة في التفسير ؛ وفي سنة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم مندوحة لمن لزمها ، وهي هدى لمن عمل بها ونور لمن علمها ؛ ويكفي من ذلك قصة الأعرابي الذي أتى حاجته في المسجد فسارع الناس إليه ، فنهاهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وقال : « إنّما بعثتم ميسّرين ولم تبعثوا معسّرين ، ثم دعا بذنوب ( 2 ) من ماء فصبّه عليه وقال : يا أخا العرب إنّ المساجد لم توضع لشيء من هذا وإنما وضعت للصّلاة وقراءة القرآن » . فانظر إلى هذا الرّفق النبويّ الذي شفى وكفى ، وعفّى على أثر المعصية لمّا عفا ؛ ولو دعا ذلك الأعرابيّ لمثلها لنقل عن لين التهذيب ، إلى

--> ( 1 ) الزيادة من الطبعة الأميرية ؛ عن « المثل السائر » ص 416 . ( 2 ) الذّنوب : الدّلو العظيمة .